تعز العز

 توفيق! من الاتصالِ إلى التحقيق!

 -لا تُغامِر يا ولدي، فالمدينة مملوءة بالللللللذينَ تعرف!

-لا يهم يا أمي! فقد اشتقتُ لكِ كثيرًا، وكيفَ لا أراكِ وأنا قريبٌ منكِ جِدًّا !
– حماكَ الله يا ولدي!
قالتها أم توفيق، وضرباتُ قلبها تدقُّ بقوة، وجسمها يرتعِشُ لا إراديَّا، وعقلها يتمايل شوقًا وفرحًا برؤيته، ويرتعِدُ خوفًا ورُعبًا عليه…

كانت مدينة صعدة، قد امتلأت كل شوارِعها، بالأطقُم والمُجنزرات!
وبعناصرٍ وجنودٍ ومُرتزقة متوحشين!
وكانت الحركة في مطارها الصغير كخلية نحلٍ، هبوطًا وإقلاعًا، يتوافدَ من خِلالِهِ شرار الأشرار، وكبار المجرمين!
وكانت منابر مساجِدِ المدينة تهتز تحت أقدام الخُطباء الوافدين، وفي كل خطبةٍ ومحاضرة يُهددون الساكنين، ويُنذِرون الساكتين، ويتهمون الغائبين!

وكان الشيخ بُهتانْ مطفي، يدورُ في المدينة ومعه العشراتُ ممن باعوا أنفسهم للشيطان، وكأنهم ذِئاب جائعة، تبحثُ عن فريسةٍ مُنفردة، فيُشيرون إلى بيتٍ هُنا فيُهدَم، لأن أبناءه في الجبهات مع الحوثي!
ويقتحمونَ منزِلاً آخر، ويُحققونَ مع النساء، ويختطفون ما يجدونه في طريقهم من ذهبٍ أو فضة أو نقود!

ولَمْ يسلم شيخٌ كبير في المدينةِ من الضرب، ولا طفلٌ من اللطم، ولا امرأةٌ في الطريقِ من السَّبْ واللَّعن!

لقد عاشَتْ مدينة صعدة تلكَ الفترة، مرحلةً مؤلمة، وأوقاتًا صعبةً وعصيبة، تكادُ لشدةِ هولِها، أن تتساقَطَ الجُدران، وتبكي الرِّمال، وتتفتت الجِبال، وكانَ أشدُّ الأيامِ وأكثرها سوادًا، حين أقبلِتِ الأطقُم بثلاثةِ أسرى، ثم طلبوا من السكانِ أن يحضروا لمشاهدة بقية المشهد، وتم ربط الأسرى خلف الأطقمِ والمدرعات، وسحبهم أحياء، في شوارع المدينة الطاهرة الغَرَّاء، حتى تناثرت دماؤهم، وتقطعت أجسادهم…
أمام سيلٍ من البكاء، من الشيوخِ والأطفال والنساء.

كانتِ المدينةُ قد أصبحتْ مُعسكرًا كبيرًا للمعتدين، فيما لا تجدُ فيها أحدًا من شبابِ المدينةِ، فقد التحقَوا جميعًا بجبهات الواجِب، وحماية النفس والعرض، وإيقافِ المعتدين عن بقية القُرى والمديريات..

وفي ذاتِ مساء، والشمسُ تسحَب أشعتها الحزينة، عن المدينة المنكوبة، وتودِّع المنازل العالية، بلمسةِ وداعٍ حانية..

يُقبِلُ شابٌ في العشرين من عمره، مُتجهًا نحو باب اليمن(باب مدينةِ صعدة)، يتأمله الجنودُ بفزعٍ وخوف، ويرتعبونَ رعبًا شديدًا، بينما كان يستمرُّ في خطواته، أخَذوا ينسحبون على جوانبِ الباب الكبير، ويُلصِقون ظهورهم إلى الجدار..

كان الشابُّ يمسك رشاشه بثقةٍ واستعداد، ويسير بخطى ثابتة، فيما كان الجنود يُفسحون له الطريقَ، وقد علموا أنَّ مواجهته في هذا المكانِ المكشوفِ تعني نهايتهم.

وقفَ الشابُّ منتصف الباب، ورفع قبضة يده اليمنى، وصاحَ بأعلى صوته مُردِّدًا:
الله أكبر، الموتُ لأمريكا، الموتُ لإسرائيل، اللعنةُ على اليهود، النصرُ للإسلام

امتلأتِ المدينة بذلك الصوت، وتناهى الصدى إلى أم توفيق، فصاحتْ إنه صوتُ توفيق! وأخذتْ تردِّدْ سيقتله المجرمون! سيقتله الملاعين! وأخذت عباءتها وانطلقت خارِج المنزل، وهي تقول فليقتلوني بجانبه، ولكنها تفاجأت به يردد الصرخة في طريقه، وجميع الجنود والضباط يهابونه ويتحاشون طريقة، أسرع إليها واحتضنها بقوة، يقبل يديها، ثم انحنى يقبل رُكبتيها، وانطلقا إلى المنزلِ، وكانت المدينة كلها، قد خرجَ كل أطفالها من البيوت، وامتلأت النوافذ بمشاهدة المشهد العجيب..

ولم يكد توفيق يدخل منزله، حتى اشتعلت خطوط الهواتف بالاتصالات، وإلى أعلى المستويات، بإعلانِ حالةِ الطوارئ، وأن هناك اجتماعٌ كبير لكبار قادةِ الحوثيين في منزلِ طنينة..

وصلَتْ ثلاث مروحيات، تحملُ جنودًا من القوات الخاصة المدربة لاقتحام الأماكن الخطرة، وتوافدت المدرعات باتجاه المنزل، وحضرت قوات الأمن والصاعقة والنجدة، وتمَّ إعداد ثلاث دوائرٍ حول المنزل، وبدأ القصفُ ، وتقدمت القواتِ الخاصة..

واستمر القصفُ بالقنابل والبوازيك والغازات، وبعدها استمر القصف المتبادل بين القوات الخاصة، وتوفيق البطل، لثلاث ساعات، وفجأةً انقطع صوتُ الرصاصِ من المنزل، فقد انتهت كل ذخيرة البطل، ولكن القوات واصلت إطلاق النار لساعةٍ إضافية، واقتحمت بعدها، لتجدَ الأم وأطفالها في الدور الأرضي، وتجدَ بعدها توفيق، كالأسد الجريح في الدور الثالث، تنزفُ دماءه من قدميه..

وبعدها تشتعل المدينةُ كلها بنيرانِ النصرِ، ويتمٌّ الإعلان في التلفاز عن إلقاء القبض على أحد كبار القادة الحوثيين، وتطيرُ طائرة خاصة بتوفيق، إلى بين يدي كبير المجرمين، ويتم محاورته والتحقيق معه..

ويخرج التحقيق للناس، مشوهًا، مُقطَّعًا، مُزيفًا، كاذبًا!

واليوم، وبعد ثمان سنوات من ذلك الإعتقال والتحقيق، يخرجُ البطل، ليقولَ للناس كافة الحقيقة الكاملة، ويكشِفَ صِدق، ونُبل، وأخلاق، وعظمة، وبسالة، ورجولة، وشَرَف، وشجاعة أشبال المسيرة!

وكما قال القائد؛ بأنه زمن كشف الحقائق!
هاهو توفيق، يكشِف للأمة صفحةَ الزَّيف

 والتضليل، والكذب والتمثيل!

ظهرَ توفيق كجبلٍ أشَمْ، بينما ظهرَ المُحققون كأقزامٍ جُبناء!
كانوا يرتعدون، ويبتعدون عنه، بينما كان يجادلهم بقوة وصلابةٍ !

ومِن بين صفحاتِ توفيق الأنموذج والقُدوة؛
نرسل رسالةً للمعنيين، أن يتم التحقيقَ مع كل من زيَّف وزور، ودبلج، ومِنَ العدلِ والإنصاف فضح كل أولئك المجرمين المشاركين وتغريمهم! لكي يتوقَّفَ مسلسل التزوير والتغرير والتجهيل..
وعلى المحامين أن يقوموا بدورهم، في المطالبةِ بتعويض أسرة توفيق لما لحق بها من تشويه وتشهير كاذبٍ فاجر!

ومن بين نظراتِ توفيق، وكلمات توفيق، ووعي توفيق؛
هناك رسالة هامة؛ لكلِّ من لم يفهم سِر صمود أشبال ورجال الرجال أمامَ أضخم قوة عالمية، وأكبر تحالُف عسكري!

فسلامُ الله عليك يا توفيق، وهنيئًا لك الشهادة!
وسلام الله على أمكَ العظيمة المُجاهِدة وأم أولادك الطاهرة ووالدك المُؤمن وجميع أسرتك، وكل رفقائك الأبطال؛

وختامًا فليعلم الجميع؛
أن توفيق لم يَمُت، فهناك اليوم في الجبهات والساحات
مليون توفيق وفي البيوت من المُربيات الأمهات خمسة مليون أم توفيق!

✍د.مصباح الهمداني

#تعز_كلنا_الجيش_واللجان_الشعبية
#جرائم_داعش_في_تعز

%d8%a7%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d9%83-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%aa%d9%84%d8%ac%d8%b1%d8%a7%d9%85