تعز العز

السعودية وأوهام النفوذ والقوة


لا شك أن المملكة العربية السعودية عندما قدمت مساعدات مالية للبنانيين على شكل هبات او ودائع مصرفية  فهي لم تفعل ذلك انطلاقا من حب فعل الخير . تؤكد الدراسات التي صدرت حول اوضاع المملكة ان هذا العامل لا وجود له في العقل السعودي او ضمن الحسابات التي تحرك امراء ال سعود . يتحدث الكاتب كريستوفر دايفيدسون في كتابه “ما بعد الشيوخ : الانهيار المقبل للممالك الخليجية” عن هذه النقطة بالتفصيل. فقد خصص جزءا من فصل معنون “تفسير اسباب البقاء” للحديث عن التقديمات المالية التي تخصصها السعودية لعدد من الدول ومن بينها لبنان . يستنتج مما كتبه الكاتب البريطاني ان “فعل الخير “هو اخر ما تفكر به المملكة التي يحلو للبعض في لبنان تسميتها بمملكة الخير. ببساطة السياسة التمويلية تهدف لشراء الولاءات والنفوذ.  ولا يمكن فصل هذه القضية عن ما يسميه ديفيدسون بـ”عملية توزيع الثروات الريعية الذي لم يكن محصورا بنطاق السكان المحليين بل يتم استخدامه بشكل متزايد لشراء التأثير والسمعة في اماكن اخرى “.

 

اللافت ان الكاتب يوضح بالارقام والمعطيات والشهادات ان هذا الاسلوب لم يعد قابلا للاستمرار لا في الداخل ولا في الخارج. فالاموال  تقدمها السعودية دون الخضوع لاي سلطة قانونية منطقية ودون الخضوع لاي مساءلة . هكذا “تبددت الموارد الوطنية فازداد الفقر لدى المواطنين السعوديين وارتفعت البطالة وازدادت  الفجوة بين الاغنياء والفقراء”. المهم ان الكاتب يجزم ان الرياض لن تكون قادرة على الاستمرار في توزيع الثروات لتحقيق ” الخضوع السياسي ” لا في الداخل ولا في الخارج.

والحق يقال ان عبارة الخضوع السياسي هي الكلمة المفتاحية التي تساعد على فهم القرار السعودي الاخير. . فالرياض عملت طوال السنوات الماضية لتحقيق هدف اساسي وهو  ببساطة شراء خضوع اللبنانيين . وهذا يعني في العقل السعودي، الانصياع الكامل وعدم الاعتراض واسكات الاصوات وتحويل لبنان دولة وشعبا وجيشا الى مجرد ابواق لدى طويل العمر . المطلوب ان يكرر اللبنانيون دون ملل مقولة شهيرة للرئيس رفيق الحريري وهي ” لحم كتافنا من خير ” المملكة وملوكها . وان يزور الاعلاميون ورؤساء التحرير ومالكو وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة امراء السعودية لاستجداء الاموال وان تمتنع المصارف اللبنانية عن الاستفادة من اي فرصة ضرورية واستثنائية لان مصدرها لا يحوز رضى امراء ال سعود وان يأتي الامراء السعوديين لممارسة الموبقات الاخلاقية في لبنان دون محاسبة او مساءلة من اي نوع من الانواع.

تاريخيا لم يكن لبنان بمعزل عن هذا النوع من العلاقات التي كانت اشبه بـ” صفقات تواطئية “بين السعودية من جهة وبعض اللبنانيين المنتفعين من ناحية اخرى .مع الحريرية السياسية اتخذت الامور مسارا اكثر خطورة . جرت محاولات لادخال الدولة بمؤسساتها ضمن هذا النسق . كان المطلوب مقايضة ولكن  بين طرفين غير متكافئين . بين راع وتابع . وبالتالي فان ايقاف الهبة السعودية للجيش اللبناني يمكن اعتبارها خطوة طبيعية وتصب في مصلحة المؤسسة العسكرية اللبنانية   لان الجيش اللبناني جهة لا يمكن ان تنطبق عليها مواصفات المنتفع على اعتاب امراء ال سعود.

ولكن في لبنان كثر تكسرت نفوسهم وقاماتهم امام اعتاب العائلة المالكة . يتولى هؤلاء مهمة التهويل من الخطوة . يحضرون المسرح لحالة من التذلل امام المال الاسود . يظهر من ردة فعلهم  ان المطلوب اذلال لبنان وادخاله الى بيت الطاعة السعودي . الا ان رهاناتهم عبارة عن  اوهام  . ليس الامر مستغربا  ” فالمال هو المطر الذي يملأ بحار الوهم”. ولطالما موّل المال الاوهام السعودية  في المنطقة والعالم . يتحدث الكاتب محمد حسنين هيكل عن هذه المسألة بالتفصيل في كتابه “حرب الخليج اوهام القوة والنصر ” . يصف الدول العربية النفطية وخاصة السعودية و”حالة الغفلة التي عاشتها ومنعتها عن متابعة ما يجري في العالم . والسبب هو انشغالهم الكامل بالثروة التي هبطت عليهم من السماء في حقبة من الاوهام “.

ويبدو ان هذه الحقبة لم تنته لان ال سعود لا يتعلمون من دروس التاريخ وها هم يعيشون الوهم  من جديد في اكثر من بلد . لبنان احد هذه البلدان وفيه ومعه  يعيش السعوديون  وادواتهم “وهم النفوذ”. لا يعرف السعوديون ان لبنان جزء من بلاد الشام  التي تشكل مركزا حضاريا كبيرا ولا يمكن الا ان يبقى عصيا على مال مهما كثر وازداد. لا يحسن هؤلاء قراءة المتغيرات والتحولات فالبلد الصغير لم تعد قوته في ضعفه ولا تنفع معه “تجارة التهديد” التي تمارسها السعودية تجاه دول كثيرة. ومن الطبيعي ان لا تفهم السعودية ان في لبنان منسوب من الكرامة والعزة سيفيض رفضا للابتزاز السعودي كما ان السعودية تعيش وهم القوة . لا تدرك انها لم تعد كما في السابق وان الهيبة والسمعة وصلت الى مرحلة لم يعد بالامكان ترميمها مهما بلغت الاثمان والاموال التي ستدفعها.

بثينة عليق

المصدر وكالات