تعز العز

أي شيء هي السعودية؟ (ترجمة)

 

 

السعودية هي بلد غالباً ما يكون موضع إدانة حقة بسبب ممارساته الرجعية والبغيضة تجاه النساء والصحفيين والأجانب، لكنها بلد لا محيد عنه بالنسبة لكل من يهتم بالإسلام وبالشرق الأوسط. وفي السياق الحالي للحرب في سوريا، يبقى هذا البلد – وهو حليف أساس للقوى الغربية –  مجهولاً إن لجهة رؤيته للعالم، أو لجهة حياته السياسية والمؤسساتية. من هنا، يبدو لي أن النظر ضروري بشأن هذا البلد لمعرفة الدور الخاص الذي يلعبه في جوقة الأمم العربية.

مملكة دينية  

الدولة السعودية تستمد أصولها من التقاء عاملين اثنين: الحنبلية-الوهابية، وهي عقيدة إسلامية ذات تاريخ معقد، وسلالة آل سعود، وهي أسرة قدمت من واحة تقع قريباً من الرياض. وهذه السلالة تحكم البلد منذ قيام المملكة. وهذان العاملان يفعلان فعلهما بشكل متلازم ما سمح بظهور بلد عربي منظم بشكل يجعله مرهوب الجانب.
الحنبلية-الوهابية هي الركن الإيديولوجي الذي تستند إليه المملكة. وهي منبثقة من الحنبلية التي تشكل مذهباً إسلامياً قائماً منذ القرون الوسطى. فقد قرر محمد بن عبد الوهاب – وهو رجل دين عاش في القرن التاسع عشر – إصلاح هذا المذهب وفرضه على أنحاء شبه الجزيرة العربية. شأنه شأن الكثير من “المتدينين”، كان مقتنعاً بأنه يقوم بتبليغ ما يقوله القرآن بشكله الصحيح، قرر أن يضع في الواجهة نصوص الحنابلة وعلمائهم عبر تركيز الرسالة الإلهية على سنة النبي وأحاديثه، وخصوصاً على الشريعة، أي القانون المستمد مباشرة من نصوص القرآن.

وسرعان ما دخل في خلاف مع مختلف السلطات التي كانت تحكم شبه جزيرة العرب في ذلك الوقت. ففي الجنوب، كانت منطقة الحجاز خاضعة للعثمانيين، أما شواطئ شبه الجزيرة والبحار المحيطة بها فكان يسيطر عليها البريطانيون. أما الداخل فكان مسرحاً لصراعات القبائل. وكان أهل مكة الخاضعة للعثمانيين قلقين من الدعوة الوهابية ومقتنعين بأن طروحات ابن عبد الوهاب تشكل خطراً عليهم، لذا استنجدوا بالعثمانيين كي يتخلصوا من الوهابية. لكن ابن عبد الوهاب تمكن من التحالف مع آل سعود الذين كانوا يحكمون واحة تقع بالقرب من الرياض، قبل أن يحققوا عددًا من الانتصارات وأن يحملوا سكان العديد من المناطق على اعتناق الدعوة الوهابية، بعد أن قاموا بمنع الممارسات التي اعتبروها كافرة وغير أخلاقية. لكن المسألة كانت قبل كل شيء مسألة سلطة. فعلماء الدين في مكة لم يقبلوا مثل هذه المنافسة، كما أن الإيديولوجيا الدينية تحولت إلى أداة في حرب سياسية.

لا غرابة في التحالف بين الديني والسياسي، كما أن اكتمال العقيدة يمر بالنسبة للوهابيين بالنظام السياسي. هذه نقطة هامة جداً طالما أن الجهد مركز على فرض التعاليم في مجتمع يتجه بكليته نحو تحقيق الهدف الديني. بالنسبة للسياسي، فإن الديني يسمح بإضفاء الشرعية على الأعمال. من هنا، تم النظر إلى الفتوحات السعودية على أنها جهاد، أما أعمال النفي والأحكام القضاية فقد نظر إليها على أنها فتاوى [مقدسة]، في حين أصبحت شرعية الملك مستمدة من الله. وهكذا، يقترب الوضع من نظام ملكي شبيه بأنظمة النظام القديم [السابق على ثورة الحداثة في أوروبا].

هذا التحالف الفريد من نوعه في العالم العربي-الإسلامي منح المملكة السعودية فرصة لتوكيد ذاتها. في البداية، كانت إيديولوجيتها الدينية مدانة إلى حدٍّ بعيد، على وجه الخصوص، من قبل العثمانيين الذين رأوا فيها سلطة مضادة. ولكن أهل السنة، وهم فرع الأغلبية في الإسلام، في المغرب وسوريا ومصر، انفتحوا على العقيدة الوهابية منذ بداية القرن العشرين. لا ينبغي تصور هذه العقيدة كعقيدة ماضوية. فهي على العكس من ذلك تمد جذورها في الماضي، ولكنها تدير وجهها نحو المستقبل. وهذا هو السبب في كون أنصار حركة النهضة (حركة فكرية عربية وإسلامية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر ودعت إلى تجديد الإسلام ومهدت للقومية العربية) قد ساندوا العقيدة الوهابية إلى حد كبير. فهذه العقيدة قابلة أيضاً للتكيف. فقد كانت في البداية معادية للمذاهب الإسلامية الأخرى لكنها بدأت تتغذى منها وتغذيها. كما رفضت التدخل الأجنبي غير أنها لم تلبث أن انفتحت في النهاية أمام الرساميل والاستثمارات. كان السعوديون منذ عهد بعيد حلفاء للبريطانيين، ومن هنا فإن رجال الدين الوهابيين أخذوا هذا الواقع في الحساب وكيفوا عقيدتهم وفق ما يقتضيه ذلك.

 

اي شيء هي السعودية ؟

أما النظام الملكي في السعودية فقد بقي ظاهرة معقدة يصعب فهمها. فهي لم تكن نظام وراثة من الأب لابنه البكر كما كانت في فرنسا، بل كانت أفقية، وهذا يستدعي صراعات على السلطة ونزاعات داخل القصر. وكانت الدولة السعودية قد ضعفت في أعقاب أزمة وراثة في غاية الخطورة بين الملك سعود وابن عمه فيصل الذي تمكن في النهاية من حسم الموقف لصالحه، فتخلص من منافسه وتحصل على الاعتراف بشرعية استيلائه على الحكم بفضل رجال الدين الوهابيين. وأياً يكن الأمر، يبقى النظام الملكي أساس الدولة، فالدولة السعودية كان يمكنها أن تكون نظاماً سلطانياً، لكنها بقيت مملكة عربية سعودية تتجلى فيها إرادة الحاكم في أن تكون الدولة تجسيداً سياسياً لا دولة دينية صرفاً.

الشريعة وحقوق الإنسان

الشريعة هي أحد أهم أركان عمل الدولة السعودية. من وجهة النظر الغربية، الشريعة هي مفهوم غالباً ما يكون متخيلاً وغير مفهوم. فبموجبه، يتم النظر إلى جميع النساء على أنهن مضطهدات، وإلى كامل المجتمع على أنه مجتمع مغلق بموجب أحكام الشريعة. وعلى وجه الدقة، تلصق بالشريعة صورة المملكة السعودية. ومع هذا، فإن الشريعة تظل بعيدة عن أن تكون مجموعة من القوانين والقواعد الثابتة، لأنها تخضع قبل كل شيء للتفسير الذي يضعه رجال الدين للنص. وفي حالة الوهابية، فإن رجال الدين الذين يقرأون النصوص ويقومون بتفسيرها يتمتعون بسلطة مطلقة في هذا المجال، ويحرصون على قيام الدولة بفرض القواعد الدينية التي يرغبون بفرضها. ومن الأكيد أن ذلك يلحق الضرر بالنساء وبحقوق الإنسان التي تشكل موضوعاً غائباً تماماً عن الذهن السعودي. ثم إن التنظيم القوي جداً لرجال الدين السعوديين يسهم أيضاً في نشر العقيدة ومحافظتها على تماسكها واحترامها. غير أن كل ذلك لا يتسم بالجمود الكامل، وهذا ما تشهد عليه التنازلات الأخيرة التي سمحت للنساء بانتخاب مندوبات لهن في المجالس المحلية. وهذ شكل تقدماً لا يستهان به في بلد  يتمتع بهذا القدر من التزمت. ولجهة حرية الصحافة، والوسائل المرعبة المعتمدة في عمليات الإعدام، واستغلال العمال، فإنها عبارة عن مشكلات قائمة بلا حلول.

السلفية والإرهاب والجهاد
لنتوقف قبل كل شيء أمام مفهوم السلفية. لسنا هنا أمام حركة سياسية أو دينية نوعية بالشكل الذي نفهمه في الغالب، بل أمام حركة رجعية إلى إسلام ابتدائي جرى تأسيسه خارج كل مذهب فقهي إسلامي. فالسلفيون متواجدون إذن في جميع توجهات الإسلام، في الحنبلية-الوهابية، ولكن أيضاً في المذاهب الأخرى.

على هذا لا يكون التكفير ملتصقاً بالحنبلية أو بالوهابية على ما يقال في بعض الأحيان. فالتكفير يغذي أطروحات “الجهاديين” ويمتد بجذوره إلى مصر، حيث تم تبني هذه العقيدة من الإخوان المسلمين على سبيل المثال.

غالباً ما يوجه إصبع الاتهام إلى المملكة السعودية لجهة علاقاتها المفترضة بالإرهاب. لكن ذلك في الحقيقة غير صحيح بما فيه الكفاية. فتنظيم القاعدة شكل في وقت مبكر موضوعاً لفتاوى صدرت بإدانته عن السلطات الدينية السعودية منذ التسعينات. وقد صدر تكفير بحق ابن لادن وهذا أمر غريب إذا ما علمنا بأن الولايات المتحدة المتحالفة مع السعودية قد دعمت في الوقت نفسه كلاً من ابن لادن وطالبان. وقد نستغرب إدانة الوهابيين لأشخاص يدعمون الجهاد الذي طالما استخدمه السعوديون. أما السبب فبسيط جداً ويتلخص بكلمة واحدة : النظام. فرجال الدين السعوديون يرفضون كل ما هو إرهابي أو منشق أو متحلل ينافس السلطة السعودية. ومن هنا صدرت في السعودية الفتاوى تلو الفتاوى في نزع كل شرعية عن الإرهاب.

ومع داعش، حصلت خطوة هامة باتجاه إيضاح الأمور. فعندما أعلن البغدادي نفسة خليفة على المسلمين، أي أميراً للمؤمنين، أي عندما اتخذ لنفسه العنوان الديني والسياسي الأرفع، وجدت السعودية نفسها أمام خصم أشد خطورة بكثير من الأحزاب العلمانية (كحزبي البعث بقيادة الأسد وقبله صدام حسين)، أو من إيران (الخصم الشيعي الموروث) أو من المذاهب الإسلامية الأخرى، لسبب أساس هو أن الخليفة هو من يجب أن يشرف على الديار المقدسة، أي مكة والمدينة اللتين يسيطر عليهما السعوديون. فالخلافة تأتي هنا لتنافس بنية سياسية ودينية منظمة إلى أبعد حد. وهكذا، فإن القول بأن السعوديين يدعمون داعش هو خطأ تيولوجي وسياسي.

مسألة الخلافة عند المسلمين كانت على الدوام مثيرة للنقاش والخصومات لم يتم حسمها، وهي مطروحة اليوم أكثر من أي وقت مضى. وبالنسبة للسعوديين، فإن القبول بخليفة يعني التراجع عن التحالف السياسي-الديني الحالي، وهذا أمر غير وارد على الإطلاق.
ولكن كل هذا لا يجعلني أصل إلى حد القول بأن السعوديين غير مسؤولين عن الحركات الإرهابية. فالإيديولوجيا المتزمتة عند رجال الدين السعوديين قد أسهمت في استنهاض طروحات دينية رجعية في الوقت الذي يرفض رجال الدين هؤلاء أنفسهم منطق المذهبية والتمرد. فالمملكة السعودية تلعب دور البهلوان الذي يحاول، في وقت واحد، إرضاء شركائه الغربيين وتطمين رجال الدين المحتاجين إلى ضمانات إيديولوجية. وهذا يمر بتشجيع أفكار قريبة جداً من داعش، وحتى بمزايدة تزمتية أيضاً على داعش لأغراض المعركة. يضاف إلى ذلك أزمة نفطية غير مسبوقة تجعل الوضع في منتهى الخطورة لدولة لم تكن مطلقاً أشد ضعفاً مما هي عليه الآن، رغم ما توحي بها قوتها الظاهرية.

ترجمة :عقيل الشيخ حسين

الكاتب: thomas abarnou
عن موقع Agoravox  الالكتروني
30 نيسان / أبريل 2016

====