تعز العز

«بيريز».. هل تسمعني؟!

 

بقلم الصحفي و الإعلامي البحريني/حسن قمبر

«ارقد بسلام، الرئيس شمعون بيريز. رجل الحرب ورجل السلام، الذي لا يزال بعيد المنال في الشرق الأوسط» – وزير خارجية البحرين – خالد بن أحمد آل خليفة – 29 سبتمبر/ أيلول 2016.

بهذه الكلمات نعى وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، رئيس الكيان الصهيوني السابق «شمعون بيريز»، بعد أن خمدت أنفاسه دون رجعة، بهذه الكلمات الإنجليزية الحروف، «خلّد» وصمة عارٍ تاريخيةٍ جديدةٍ وثقها بنفسه على جبين ما تبقى به من عروبة مزعومة، عبّرت عن «ثكلهِ» لنظيرٍ له، «إما في الخلق أو الدين»، قد تكون هي الترجمة الحقيقية، بدلاً من الترجمة الحرفية، وقد نتوصل «لترجمات فوتوغرافية تذكارية»، لا زالت تتراقص بضحكاتها ووشاحها الدبلوماسي، في ذاكرة الوزير الثكلى والمرهفة في نفس الوقت.

تناقلت العديد من الوسائل الإعلامية العربية والعالمية نعي وزير الخارجية بوتيرةٍ غير مسبوقة، حتى كاد يطغى على خبر موت «بيريز» نفسه، فضلاً عن إشعاله غضب مشاعر جمهور المغرّدين على «تويتر»، والذين أخرجوا من جعبتهم صوراً تذكارية ومواقف للوزير نفسه، وبعض رموز النظام البحريني، كترجمةٍ «للعلاقة الحميمة»، فاقت مستوى التطبيع. «وبعيدٌ عن المنال»، أن يعتذر الوزير لدماء شهداء فلسطين ولبنان، عن نعيه مجرماً، اعتبرته إحدى المجلات الألمانية أنه نسخةٌ ثانية عن «هتلر»، ارتكب مجازر دموية «خلّد» الوزير اعتزازه بها في تغريدة..! فهل هذه ترجمة تؤكد عداء الوزير لأطفال «مجزرة قانا»، أودماء الشعب الفلسطيني؟ أم هي محاولة لمحو ذكرى استشهاد الطفل «محمـد الدرّة»؟ أو استفزازٌ للمؤيدين للمقاومة الإسلامية في وجه الكيان الصهيوني؟

مصادر إعلامية صهيونية تحدثت عن لقاء عضو «حزب الليكود»، وزير التعاون الاقليمي الاسرائيلي «أيوب قرا» مع وزير خارجية البحرين خالد آل خليفة في مدينة نيويورك الأمريكية، وقد بادره بالسؤال التالي: «ما هو وضع شمعون»؟ فأجاب: «للأسف، تلقيت الآن نبأ وفاته»، فبدأ الوزير بالبكاء، ولم يهدأ لعدّة دقائق. وقد كشف نائب الوزير القرا، أن بيريز كان سعيداً قبل موته بتقدّمٍ في مشروعٍ مزمعٍ بين تل أبيب والبحرين. وقد تكون دموعه ترجمة عاطفيّة أخرى، فاضت بها مقلة الوزير سرّاً ولم يكشفها في نعيه علناً.

تطبيع النظام في البحرين مع الكيان الصهيوني شهد تطوراً تدريجياً على مدى العشرين سنة الماضية، بدءً من زيارة وزير البيئة الاسرائيلي «يوسي ساريد» للمنامة في سبتمبر/ أيلول 1994، لتشهد فتوراً لست سنوات، وتعود بشيءٍ من الخجل في نوفمبر/ تشرين ثاني 2000، حينما التقى ولي عهد البحرين سلمان بن حمد آل خليفة بشمعون بيريز في منتدى «دافوس» الاقتصادي، أثمر هذا اللقاء عن قرار السلطات برفع الحظر عن البضائع الاسرائيلية وغلق مكتب المقاطعة في سبتمبر/ أيلول 2005، إلى أن التقى ولي العهد مجدداً ببيريز في الولايات المتحدة على هامش مبادرة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في سبتمبر/ أيلول 2006.

أما «الحب من أول نظرةٍ» للكيان الصهيوني من وزير خارجية البحرين خالد آل خليفة فقد بدأ في أكتوبر/ تشرين الأول 2007، في اجتماعٍ مع اللجنة اليهودية بنيويورك، ليستمر التعبير «بالهيام» عن هذه العلاقة في مناسباتٍ مختلفةٍ وعلى فتراتٍ متباعدة جمعت وزير الخارجية بوزيرة الكيان السابقة «تسيبي ليفني»، حتى حظيت هذه العلاقة «بمباركةٍ» من ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة شخصياً، عند لقاءه ليفني وبيريز بشكلٍ «سرّي» في نيويورك أيضاً في يناير/ كانون الثاني 2009، بما فيها لقاءٌ آخر لوزير الخارجية وأعضاء اللوبي الاسرائيلي في مقر «دركة حباد» اليهودية الدينية المتزمتة بنيويورك في فبراير/ شباط 2010، إلى أن فضح موقع «ويكيليكس» برقيات اتصال بين البحرين وجهاز «الموساد الاسرائيلي» في أبريل/ نيسان 2011.

ومنذ العام 2011، أي في العام الذي انطلق فيه الحراك الشعبي في «ثورة 14 فبراير»، تصاعدت وتيرة التقارب بين المنامة وتل أبيب، على مختلف الأصعدة والميادين، على المستوى العسكري والأمني والسياسي والاقتصادي أيضاً، بفضل جهود الدبلوماسي الاسرائيلي «بروس كشدان» – حسب «صحيفة معاريف العبرية»، والذي تبين أنه مهندس العلاقات السرية بين إسرائيل ودول الخليج، بما فيها البحرين، والتي لجأت لتوقيع مذكرات تفاهم مع شركاتٍ اسرائيليةٍ لتلميع صورتها أمام المجتمع الدولي، بعد تصاعد حدّة انتهاكات حقوق الإنسان على خلفية الحراك الشعبي المستمر منذ 14 فبراير/ شباط 2011، إضافة إلى إعلان ملك البحرين عن حاجته لبعض الوقت لإعلان العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل، عند لقاءه الحاخام اليهودي «مارك شنير» في المنامة في مارس/ آذار 2016.

هذا الاستعراض السريع للعلاقات الاسرائيلية البحرينية ترجمة أخرى لنعي الوزير لبيريز، وهو «لسانٌ للسياسة الخارجية لأي نظامٍ في العالم في العُرف البلوماسي»، والذي بات لا يجد «حرجاً أو عيباً في الاعتزاز بصداقته للقتلة والسفاحين»، ودلالةٌ واضحة للحميمية والرومنسية التي يعيشها الطرفين، وانعكاسٌ لطبيعة حجم العزلة والاختلاف بين السلطة البحرينية والغالبية الشعبية العظمى التي رفضت نعي الوزير للمجرم بيريز، حتى وإن اختلفت الوجوه إلا أن القواسم مشتركة، كهدم المساجد والتجنيس السياسي والاعتقال التعسفي والتعذيب، والقتل في الشارع.

خالد آل خليفة بعث مناجاة لروح بيريز، وكأنه يقول له «هل تسمعني يا بيريز؟.. لقد دعوت لك أن ترقد بسلام».. وغفل الوزير أن لعنات ضحاياه ستظل تطارده حتى في قبره.. فهل سيجد خالد آل خليفة من يدعو له أن يرقد بسلام..؟